من أين جاءت تسمية كرادة مريم؟

من أين جاءت تسمية كرادة مريم؟

تتواجد عدة ضواحي في أطراف بغداد تحمل اسم “الكراد”، ويرتبط هذا الاسم بالاستخدام الشائع للكرود كوسيلة للإرواء الزراعية. يعود أصل التسمية إلى صاحب الكرد، وتستخدم الصيغة المشتقة من الجموع بشكل رائج في اللغة الشعبية. على سبيل المثال، تشمل هذه الصيغ:

  • زراعة: جمع زارع
  • عمالة: جمع عمال، ويشير عادة إلى عمال البناء
  • بلامة: جمع بلام، وهو صاحب الزورق
  • سماجة: جمع اسماك، أي السمك

تمتد الضواحي التي تحمل هذا الاسم على جانبي نهر دجلة، مثل كرادة الصليخ الشمالية من بغداد على الجانب الشرقي، والكرادة الشرقية جنوباً، وكذلك كرادة مريم على الجانب الغربي المقابل للكرادة الشرقية. كانت هذه الضواحي تحتل مساحات واسعة من المزارع والبساتين، حيث كانت تروى من نهر دجلة باستخدام الكرود المنتشرة على الضفاف، وذلك قبل اعتماد مضخات المياه الآلية. يُشير إلى أن الكرادة الأولى في منطقة الصليخ لم تشتهر طويلاً باسم “الكراد”، الذي أصبح يُطلق فقط على من لا يسكن إحدى الكرادتين مريم أو الشرقية.

تتمتع كل من الكرادتين بتاريخ مستقل وخصائص محلية مميزة، على الرغم من وقوعهما على ضفاف نهر دجلة. يفرض ذلك ضرورة إجراء دراسة مستقلة لكل منهما، ويقدم هذا البحث لقراء مجلة بغداد قصور نظرة شاملة على كرادة مريم، مع الأمل في تخصيص دراسة مماثلة لشقيقتها الشرقية في وقت لاحق.

تمتد كرادة مريم على طول الشاطئ الغربي لنهر دجلة، بدءًا من موقع جسر الأحرار شمالًا حتى نهر الخر جنوبًا، وعرضها يمتد من شاطئ النهر حتى سكة حديد بغداد – البصرة. في الماضي، كانت تحدها سدة المسعودي التي بُنيت خلال العهد العثماني لحماية بغداد الغربية من فيضان نهر الفرات، ولكن تمت إزالتها منذ حوالي عشرين عامًا.

تُظهر هذه المعلومات أن كرادة مريم تشكل منطقة واسعة إلى الجنوب الغربي لمدينة بغداد. كانت المساحة الكبيرة في الغالب متروكة أو مزروعة، بينما كانت المناطق السكنية تقتصر على شريط ضيق على طول النهر، حيث بُنيت البيوت الكرادية عادةً باستخدام الرهص والطوب، وكانت تسقف بجذوع النخل. في وقت لاحق، بنى بعض المواطنين باللبن وسقفوا بالخشب.

تتشكل الدور في كرادة مريم بترتيب متلاصق، حيث تشكل سطوحها مجموعات يكمل كل سطح الآخر. كان لاحظًا أنه عند مطاردة اللصوص، قد يستطيعون عبور الطرف من أحد طرفه إلى الآخر فوق سطوح المنازل، وعلى الرغم من ذلك، يكاد اللصوص يكونون في مأزق أمام أهل الكرادة!

تتألف كرادة مريم من أحياء فريدة يُطلق عليها اسم “طرف”، ومن بين أشهرها طرف “الثعالبة” الواقع اليوم إلى الشمال من جسر الجمهورية، وطرف “العباسية” الذي يضم بناية المجلس الوطني الجديد والمطيرية بتسكين الميم، وطرف “الكاورية” الذي كان في الماضي متنزهًا صيفيًا يُرتبط ذكره في الأغاني البغدادية القديمة. ويشتهر هذا الطرف بكثرة بساتينه وشاطئه الرملي، الذي يشكل شاطئًا طبيعيًا ملائمًا لممارسة الرياضة والسباحة.

يُقسم كل طرف إلى دروب وشوارع غير منتظمة تُعرف باسم “واجهات”، وهي تعادل مصطلح “عكود” في اللغة البغدادية.

فيما يتعلق بالحياة الاقتصادية في الكرادة، كانت الزراعة هي الحرفة الرئيسية لأهل الكرادة، حيث كان معظم المزارعين يمتلكون الأراضي التي يزرعونها. ورغم أن الأرباح من الزراعة لم تمكن المزارعين من توسيع ممتلكاتهم الزراعية، إلّا أن الملكيات الزراعية حافظت على حجمها الصغير. ونتيجة لهذا الوضع، لم تشهد الكرادة تمييزًا حادًا بين السكان بسبب الفقر والثراء، حيث لم يكن الكراديون كلهم أثرياء.

كان بإمكان المالك أن يشرف بنفسه على زراعة أرضه أو يؤجر فلاحًا ليقوم بزراعتها بناءً على نظام المزارعة المعروف قديمًا. وكانت شروط عقد المزارعة تتضمن أن يقدم الفلاح العمل والبذور والماء، ويأخذ كل منهم نصف المحصول، بالإضافة إلى حصة العقر التي تبلغ نسبتها 1/10 من حصة الفلاح، وتأخذها المالك.

كما كان للفلاحين فرصة للتعاقد مع المزارعين من خلال عقود سنوية، حيث يتم تحديد أجرهم بمبلغ ثابت، ويستفيد الفلاح من دفعة مقدمة قبل بدء العمل.

وقد اتجه بعض سكان الكرادة إلى العمل في مجال الزوارق الأبلام، التي كانت تقوم بنقل البضائع بين ضفتي نهر دجلة. وعندما ظهرت الزوارق البخارية واستخدمت للنقل عبر المسافات الطويلة، انخرط البعض في استخدامها في هذا العمل في منطقة محددة بين سيد سلطان علي والزاوية في الكرادة الشرقية.

اعتمد البعض من أهل الكرادة على صيد السمك، وكانوا يعرفون باسم “الثعالبة”، وهم السكان الذين يقطنون في الطرف المسمى باسمهم. في مواسم الفيضان، كانوا يستغلون هور المسعودي المليء بمياه نهر الفرات لصيد السمك، وكان نوعًا خاصًا من السمك يُعرف بـ “أبو سيف” أو السويفي، الذي كان يزخر في هور المسعودي ولم يكن يباع، بل كانوا يقلونه لاستخلاص دهنه الذي يُجمع في صفائح ويُباع لأهل السفن لاستخدامه في طلاء سفنهم للحماية من التأكل.

وكان من أعمال أهل الكرادة الرئيسية بيع الفجل، الذي كانوا يُطلقون عليه “أبو خوصة الذهب”، تعبيرًا عن الربح الوفير الذي كانوا يحققونه من بيعه. كانوا يبيعون الفجل لأهل بغداد في الكرخ والرصافة.

أما بالنسبة للمهن الأخرى في الكرادة، فكانت محدودة ولم يكن هناك حوانيت أو عطارون. كما كانت بعض الأساسيات تُحضر من أسواق الشواكة وعلاوي الحلة. وكانت بعض المواد متاحة مجانًا، مثل التمر والدبس واللبن والتكي والمخضرات والفجل والنبق والحطب، وكانوا يبيعون هذه الأصناف لأهل بغداد، بينما لا يتاجرون بها داخل منطقتهم. كما كانوا يرفضون عادةً أن يشتروا هذه الأصناف من السوق، وكانوا يعتبرون ذلك إهانة.

الحياة الاجتماعية في كرادة مريم كانت مرتبطة بالقرابة والمصاهرة، وتميزت بالتماسك والتعاون القائم. كانوا يعيشون حياة نشطة ومتحركة، حيث كان التضافر يخفف من حاجتهم إلى الآخرين. تظهر هذه الروح بشكل واضح في حالات الطوارئ مثل المرض أو الحوادث، حيث يتحدون سويًا لمواجهة التحديات كالحرائق أو التصدي للسرقة.

كان حجاب المرأة الكرادية أخف قيودًا من حجاب أختها في بغداد، وكان الاختلاط مسموحًا في نطاق معين. كما كان من عاداتهم في الزواج إقامة الأعراس بطريقة تشبه العادات البغدادية. ورغم بساطة تكاليف الزواج، فإن الروح التعاونية تظهر في تقديم مهر بسيط لا يتجاوز ثلاثة آلاف قرش، وتتألف هدايا العروس من فراش وصندوق للملابس وبعض القطع الأساسية.

أما فيما يتعلق باللباس اليومي، كان للكراديين دشداشة من الخام الأسمر، وكانوا يلبسون العرقجين للرأس، وكان من العادة أن يكونوا حافيين، ويتمثل اللباس الرئيسي للفلاح في “البشت” المصنوع يدويًا من الصوف الأحمر. وفي المناسبات الخاصة، كانوا يرتدون زيًا تقليديًا يتكون من الصوف وعباءة “دك المشهد” مع العقال واليشماغ، في حين كانوا يحتقرون غالبًا اللباس البغدادي.

كان للمرأة الكرادية، سواء كانت بكرًا أم متزوجة، غطاء رأس يعبر عن حالتها الاجتماعية. العذراء تلف رأسها بـ “الجتاية”، وهي عصابة بيضاء مزينة بكراكيش، بينما تتلفع المتزوجة بـ “الجرغد” والفوطة التي تغطي رأسها ونحرها وصدرها. ولا يُلزم الفتاة بارتداء الفوطة إلا بعد الزواج، مما يشير إلى تشددهم في حجب المتزوجات.

أما فيما يتعلق بالأطعمة، فكانت الوجبات اليومية تشمل العديد من الأصناف. في الفطور، كانوا يتناولون العصيدة المصنوعة من الطحين والنمت المطبوخ. وفي الغداء، كانت الوجبة تتضمن التمر والخبز واللبن. أما في العشاء، فكانوا يتناولون “البالوته” المصنوعة من الطحين المحمص والدبس، وغالبًا ما يتناولون الرز أو الباذنجان المشوي.

في المناسبات الخاصة، كانت وجبات مثل “السنكسير” تحظى بشعبية، حيث كانت تحتوي على المشمش المجفف والدبس واللحم. كما كان لديهم أطعمة محلية مميزة مثل “الخميعة” و”اللبنية”. فيما يتعلق بالمشروبات، كانوا يعتمدون بشكل رئيسي على اللبن والقهوة، في حين كان الشاي مجهولًا لهم حتى القرن الحالي. وقد أدى هدية هندي لفلاح كرادي بكيس من الشاي إلى حدوث سلسلة من الأحداث التي أدت إلى صداقات وتبادل ثقافي بين الهنود وأهل الكرادة.

أهل كرادة مريم يستخدمون لهجة خاصة تختلف عن لهجة أهل بغداد، وتتميز بالبساطة والتحلية، حيث تخلو من التفخيم الشائع في اللهجة البغدادية. يطغى استخدام حركة الكسر في مفردات اللهجة الكرادية، بدلاً من الضم الذي يتكرر في اللهجة البغدادية. هناك مفردات متداولة في لهجة الكرادة لا تستخدمها أهل بغداد، وهناك أخرى يختلف نطقها بين اللهجتين، سواء في الحروف أو الحركات. فيما يلي بعض هذه المفردات للمقارنة:

  • الكرادة / بغداد
  • يدحج: يباوع / ينظر
  • باكلا: باقلاء
  • يكتل: يبسط / للضرب والصفع بين المتخاصمين
  • جدام: كدام / قدام
  • كنتور: قنطور / دولاب الملابس
  • طاسة: كاسة
  • بخصم: بقصم
  • جِرك: جُرك
  • يِعرف: يُعرف
  • يٍشتغل: يُشتغل

تتردد على لسان أهل كرادة مريم أمثال شائعة، مع تحريف بسيط في بعضها. وفيما يلي نماذج:

  • الجوة أبطة عنزة يبغج عند البغادة: يصرخ
  • الخير لبو خضير والزبل على الخانجي
  • لو ردت تهجج أكنس وعجج
  • أبو سراج جوه أنجانته خبز ما ينام الليل
  • مفل بزونة حسين الطعمة جووها وما عاودت

كما يعكس هذا اللهجة والعبارات الشعبية تميزًا ثقافيًا ولغويًا بين الكرادة وبغداد.

المثل “تعلولة علي الراضي” يعكس عادة كرادية حيث كان علي الراضي يبيع الفجل في الكرخ ويؤجل عودته إلى منزله لفترة متأخرة. بعد تناوله للعشاء وأداء الصلاة، يخرج للتعلولة (السمر)، مستمتعًا باللحظات بعد انصراف الزوار. يرتبط اللهجة الكرادية بالأمثال والكنايات البغدادية، حيث كان أهل بغداد يسخرون أحيانًا من أهل الكرادة، معتبرين أنهم غير متحضرين. يستند هذا التصرف إلى شعور بالتفوق والغرور الذي ينتمي لسكان المدن.

يُشبهون أهل الكرادة بالباذنجان في التعبيرات، وقد يطلقون على الكراديين لقب “كرادي أبو بيتنجانة”. يرى أهل بغداد أن زراعة الباذنجان كانت تشير إلى الشح والفقر، في حين يُزعم ببعض الشتائم أن الباذنجانة لدى الكرادة تُعادل دم الإنسان، وهو اعتقاد باطل.

تعبر أمثال بغدادية أخرى مثل “كرادة وعزا حسين” عن الجماعة التي تحرص على شيء ما وتثير الضوضاء من حولها. يُربط المثل بعناية أهل الكرادة بتنظيم التعازي في عاشوراء، حيث كانوا يقدمون ولائم كبيرة، ويُستخدم المثل “بل المعظم على الكرادة” للتعبير عن تناقض الأقوال.

ترتبط منطقة كرادة مريم بظاهرة معروفة باسم “الكسلة”، وهي عادة تشتهر في بغداد وكانت محط اهتمام وتفاخر سكان كرادة مريم. يقال إن الاسم يعود إلى ضريح ينسب إلى السيدة مريم بنت عمران، وهو موقع تعتبره كرادة مريم مقدسًا. يتميز هذا الضريح بتكريم السكان له وتحويله إلى مقبرة لهم.

في بغداد، تُحتفل بالكسلة مرتين في السنة، أولاً بعد عيد الفطر وثانياً بعد عيد الأضحى، حيث تستمر هذه الاحتفالات لثلاثة أيام. يجتمع الناس حول الضريح، وتصبح المنطقة مكانًا للاحتفال والتسلية. يأتي الناس مع الباعة المتجولين وآخرين يحملون معهم أطعمة ومرطبات متنوعة. كما يُحيي هواة الطرب الأمسيات بألحان متنوعة.

أما أصل كلمة “الكسلة” ومعناها فظل غامضًا، إلا أن الظاهرة نفسها قد تكون نابعة من رغبة الناس في التفريغ والاستمتاع خلال أيام العيد. في مجتمع ضيق محدود، كانت هذه الفعاليات تعتبر وسيلة لتحفيز حاجة الناس إلى التسلية والتخلص من ضغوط الحياة. “الكسلة” تعكس أهمية الأوقات المفتوحة للترفيه وكانت تشكل جزءًا أساسيًا من تراث بغدادي، حيث كانت تمثل فرصة للتنفس والاحتفال في ظل القيود اليومية.

اترك تعليقك


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *